خفايا اليقين.. لومورا TV
رحلة الإسراء والمعراج
Lumora TV
خفايا اليقين | Lumora TV

رحلة الإسراء والمعراج


نعود بالزمن إلى الوراء... إلى مكة المكرمة... في سكون الليل الدامس. كان ذلك بعد "عام الحزن"، العام الذي ودّع فيه النبي محمد ﷺ زوجته وسنده السيدة خديجة، وعمه أبا طالب. كان قلبه مثقلاً بهموم الدعوة، وبعد أن صده أهل الطائف وأدموا قدميه الشريفتين، حان وقت اللطف الإلهي ، وجبر الخاطر من رب العالمين [].

[

في ثلث الليل الهادئ، والناس نيام، نزل أمر الله لجبريل عليه السلام بأن يصطحب محمداً ﷺ في رحلة للسماء. عند حجر الكعبة المشرفة، بدأ التحضير المهيب. جاء جبريل وشق صدر النبي ﷺ، من أسفل الرقبة إلى البطن، في عملية جراحية ملائكية دون ألم أو قطرة دم. استخرج قلبه الشريف، وغسله بماء زمزم في إناء من ذهب، ثم ملأه إيماناً وحكمة، وأعاده إلى مكانه، ليطهر قلبه ويهيئه لتحمل المشاهد العظيمة التي ستراها عيناه [.

 

ثم جيء بالبُراق... وهي دابة عجيبة بيضاء اللون، تفوق الحمار حجماً ودون البغل، لها جناحان عند فخذيها []. ومن شدة سرعتها الخاطفة، كانت تضع حافرها عند منتهى بصرها، في سرعة تشبه سرعة الضوء أو البَرق []. لما اقترب منها النبي ﷺ ليركبها، اهتزت البُراق من هيبة رسول الله،

 فقال لها جبريل: "اثبتي، فوالله ما ركب عليك أعظم من محمد"، فسكنتْ وانطلقت بهما في سماء الليل.

[

في طريقهما من مكة إلى المسجد الأقصى، استوقف جبريل النبي ﷺ مرات ليصلي ركعتين في أماكن مقدسة. نزل فصلى في مكان مليء بالنخيل، فأخبره جبريل أنها يثرب... ثم نزل فصلى في مدين عند شجرة النبي موسى... ثم نزل فصلى في بيت لحم، حيث وُلد عيسى ابن مريم عليه السلام.

وبينما هما في الطريق، مر النبي ﷺ بالكثيب الأحمر، فرأى مشهداً عجيباً... رأى نبي الله موسى عليه السلام حياً قائماً يصلي في قبره []. فالأنبياء أحياء في قبورهم لا تأكل الأرض أجسادهم.

ثم هبت رائحة طيبة زكية جداً، فسأل النبي ﷺ: ما هذه الرائحة يا جبريل؟ فأجابه: إنها رائحة ماشطة بنت فرعون، التي كانت تمشط شعر ابنة فرعون، ورفضت أن تشرك بالله، فغلا فرعون الزيت في قدّرٍ من نحاس، وألقاها هي وأولادها فيه، فضحت بروحها حباً لله وثباتاً على التوحيد [

[

وصل النبي ﷺ إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس... نزل من على البُراق، وربطه بحائط البراق، آخذاً بالأسباب متوكلاً على الله رب الأرباب [. دخل المسجد، فإذا بالمعجزة تتجلى... المسجد مليء بجميع أنبياء الله ورسله، مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ورسول، من آدم إلى عيسى، اصطفوا جميعاً ليقدِّموا محمداً ﷺ إِماماً لهم، يتسلم قيادة العالم الروحاني [

وبعد الصلاة، قدم له جبريل إناءين، أحدهما فيه خمر والآخر فيه لبن، فاختار النبي ﷺ اللبن وشرب منه. فتهلل وجه جبريل فرحاً وقال له: "الحمد لله الذي هداك للفطرة... لو أخذت الخمر لغوت أمتك"].

[

بعدها... بدأت الرحلة الأعظم... المعراج إلى السماوات العلى. ارتقى النبي ﷺ مع جبريل، وبمجرد وصولهما إلى أبواب السماء الدنيا (السماء الأولى)، نادى جبريل حارسها ليفتح []. سأل الخازن: من معك؟ قال جبريل: محمد. قال: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، ففُتح الباب وقيل له: "مرحباً به، فنعم المجيء جاء".

في السماء الدنيا، التقى بأبي البشر آدم عليه السلام، فسلم عليه، ورد آدم قائلاً: "مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح" []. وتجول النبي في السماء الأولى فرأى منابع أنهار النيل والفرات، ورأى نهراً ماؤه أحلى من العسل وأبيض من اللبن، وعلى ضفافه قباب من اللؤلؤ... سأل جبريل عنه، فقال: هذا هو نهر الكوثر الذي أعطاكَ إيّاه ربك لتروي به أمتك].

[]

ثم صعد إلى السماء الثانية... وهناك رحب به عيسى ويحيى عليهما السلام قائلين: "مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح" [].

وفي السماء الثالثة التقى بيوسف عليه السلام، الذي وصفه النبي بأنه أُعطي شطر الحسن والجمال

استمر الصعود الكوني... في السماء الرابعة وهناك رحّب بِه النبي إدريس...

 وفي الخامسة التقى بهارون أخي موسى [].

 ثم صعد إلى السماء السادسة، ليلتقي بكليم الله، موسى عليه السلام، الذي رحب به بشدة.

 وما إن جاوزه النبي ﷺ، حتى بكى موسى. ولما سُئل عن سبب بكائه، قال حزناً وشفقة على أمته: "أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي.

[]

ثم فُتحت أبواب السماء السابعة... ليلتقي بالشيخ الأكبر، خليل الرحمن وأبي الأنبياء، إبراهيم عليه السلام].

 كان إبراهيم جالساً يسند ظهره إلى "البيت المعمور"، وهي كعبة أهل السماء، التي يدخلها كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون ويصلون، ثم يخرجون ولا يعودون إليها أبدًا لكثرة عدد ملائكة الله [

التفت إبراهيم عليه السلام إلى النبي ﷺ وقال محباً وناصحاً: "مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح... يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان خالية، وغراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله].

[

من هنا... ودع النبي ﷺ كل الأنبياء، وتقدم إلى حيث لم يصل بشر ولا مَلَك قط... إلى "سدرة المنتهى


شجرة عظيمة، أوراقها كآذان الفيلة، تنبع من جذورها الأنهار. عند هذه الشجرة، رأى النبي ﷺ جبريل عليه السلام على صورته الملائكية الحقيقية التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح عظيم، يتساقط منها اللؤلؤ والياقوت، ورغم عظمته كان جبريل متواضعاً من خشية الله كالثوب البالي [].

هنا... توقف جبريل...

لم يُسمح له بتجاوز هذا المقام.

وتقدم الحبيب المصطفى ﷺ وحده... اقترب حتى سمع صريف الأقلام، أصوات الأقلام التي تكتب مقادير الكون وقضاء الله وقدره [].

[

وقف النبي ﷺ أمام حجاب من نور...

وفي هذه الحضرة الإلهية المهيبة، أوحى الله إلى عبده ما أوحى، من غير واسطة [].

كلّمه ربه وفرض عليه وعلى أمته الصلاة، ليكون للمؤمنين معراج روحي كل يوم [].

في البداية، فُرضت خمسين صلاة، فنزل النبي متقبلاً لأمر ربه... لكنه لما مر بموسى، نصحه موسى بالعودة وسؤال ربه التخفيف، لأن البشر لا يطيقون ذلك بناءً على خبرته مع بني إسرائيل [].

ظل النبي ﷺ يصعد ويهبط بين ربه وبين موسى، يسأل التخفيف حباً ورحمة بأمته، حتى خففها الله الكريم إلى خمس صلوات في اليوم والليلة...

ونادى منادٍ: "إني أمضيتُ فريضتي وخففتُ عن عبادي، هي خمسٌ في العمل، وخمسون في الأجر، ،].

[]

بعد أن تجول النبي في الجنة، ورأى نعيماً لا يخطر على قلب بشر، ورأى مشاهد من عذاب العصاة والمغتابين وأكلة الربا ليكون نذيراً للناس []...

هبط النبي ﷺ وعاد إلى الأرض... عاد إلى مكة المكرمة في نفس الليلة قبل بزوغ الفجر، بل وعاد وفراشه لم يزل دافئاً، في معجزة أوقفت حركة الزمان تماماً [.

في الصباح، جلس النبي ﷺ عند الكعبة مهموماً، يفكر كيف يخبر قومه بما رأى. فمر به أبو جهل مستهزئاً، ولما أخبره النبي بما حدث، جمع الكفار ليسمعوا ويستهزئوا، فمنهم من يصفق، ومنهم من يضع يده على رأسه مكذباً. وطلبوا منه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلى الله له بيت المقدس أمام عينيه، فظل يصفه لهم بدقة متناهية باباً باباً].

وذهب الكفار يركضون إلى صاحبه أبي بكر، يظنون أن هذه المعجزة ستجعله يكفر بمحمد، فقالوا له: إن صاحبك يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس ورجع!

فقال أبو بكر بقلب مليء باليقين: "إن كان قال ذلك فقد صدق... إني لأُصدقه في أمر السماء يأتيه بكرة وعشياً، أفلا أصدقه في هذا؟" ومنذ ذلك الصباح، لُقب أبو بكر بـ "الصديق".

[]

كانت رحلة الإسراء والمعراج بالجسد والروح معاً [ رحلةً لتثبيت فؤاد النبي ﷺ ليرى من آيات ربه الكبرى []. رحلة تؤكد لنا أن بعد كل عسرٍ يسراً، وأن بعد عام الحزن، يأتي العروج إلى آفاق السماوات، وأن الفاعل الوحيد في هذا الكون هو الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله].

استسلم الآن لنومك... وأنت مطمئن... بأن لك رباً قادراً على أن يطوي الزمان والمكان ليجبر كسر قلب عبده... رباً يسمع دعاءك من فوق سبع سماوات... نم في حفظ الله، وفي أمان الصلاة التي كانت هديتك من سدرة المنتهى...

.

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم